الشنقيطي
126
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
التأثير أو انتقاء شرط التأثير ، فوجودها من تخلف الحكم لا ينقضها ، ولا يقدح فيها ، وخروج بعض أفراد الحكم حينئذ تخصيص للعلة لا نقض لها ، كالقتل عمدا عدوانا ، فإنه علة القصاص إجماعا ، ولا يقدح في هذه العلة تخلف الحكم عنها في قتل الوالد لولده ، لأن تأثيرها منع منه مانع هو الأبوة ، وإما إن كان عدم تأثيرها لا لوجود مانع أو انتفاء شرط فإنه يكون نقضا لها وقدحا فيها ، ولكن يرد على هذا التحقيق ما ذكره بعض العلماء من أن قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ [ الأنفال : 13 ] علة منصوصة لقوله وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ [ الحشر : 3 ] الآية . مع أن هذه العلة قد توجد ولا يوجد ما عذب به بنو النضير من جلاء أو تعذيب دنيوي ، وهو يؤيد كون النقض تخصيصا مطلقا لا قدحا . ويجاب عن هذا بأن بعض المحققين من الأصوليين قال : إن التحقيق المذكور محله في العلة المستنبطة دون المنصوصة وهذه منصوصة ، كما قدمنا ذلك في أبيات مراقي السعود في قوله : وليس فيما استنبطت بضائر * إن جا لفقد الشرط أو لما منع هذا ملخص كلام العلماء وحججهم في المسألة . والذي يظهر رجحانه بالدليل هو الجمع بين الأدلة لأن الجمع واجب ، إذا أمكن بلا خلاف ، كما أشار له في المراقي بقوله : والجمع واجب متى ما أمكنا . إلخ . ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار فمن اقتحمها دخل الجنة ، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ، ومن امتنع عذب بالنار ، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا ، لأن اللّه يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل . وبهذا الجمع تتفق الأدلة فيكون أهل الفترة معذورين وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان ، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا ، ويحمل كل واحد من القولين على بعض منهم علم اللّه مصيرهم ، وأعلم به نبيه صلى اللّه عليه وسلم فيزول التعارض . والدليل على هذا الجمع ورود الأخبار به عنه صلى اللّه عليه وسلم : قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] بعد أن ساق الأحاديث الدالة على عذرهم وامتحانهم يوم القيامة رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ما نصه :